أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

27

العقد الفريد

لا استتمّ الأجر عند ربّه قال وسمعت أعرابيا يقول : ما بقاء عمر تقطعه الساعات ، وسلامة بدن معرّض للآفات ! ولقد عجبت من المؤمن كيف يكره الموت وهو ينقله إلى الثواب الذي أحيا له ليله وأظمأ له نهاره . وذكر أهل السلطان عند أعرابي فقال : أما واللّه لئن عزّوا في الدنيا بالجور لقد ذلّوا في الآخرة بالعدل ، ولقد رضوا بقليل فان عوضا عن كثير باق ، وإنما تزل القدم حيث لا ينفع الندم . ووصف أعرابي الدنيا فقال : هي رنقة « 1 » المشارب ، جمة المصائب لا تمتعك الدهر بصاحب . وقال أعرابي : من كان مطيته الليل والنهار سارا به وإن لم يسر ، وبلغا به وإن لم يبلغ . قال : وسمعت أعرابيا يقول : الزهادة في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة والزهادة في الآخرة مفتاح الرغبة في الدنيا . وقيل لأعرابي وقد مرض : إنك تموت ! قال : وإذا متّ فإلى أين يذهب بي ؟ قالوا : إلى اللّه ! قال : فما كراهتي أن يذهب بي إلى من لم أر الخير إلا منه ؟ وقال أعرابي : من خاف الموت بادره الموت ، ومن لم ينحّ النفس عن الشهوات أسرعت به إلى الهلكات ، والجنة والنار أمامك . وقال أعرابي لصاحب له : واللّه لئن هملجت « 2 » إلى الباطل إنك لعطوف عن الحق ، وإن أبطأت ليسرعنّ إليك ، وقد خسر أقوام وهم يظنون أنهم رابحون ؛ فلا تعرّنّك الدنيا ، فإن الآخرة من ورائك . وقال أعرابي : خير لك من الحياة ما إذا فقدته أبغضت له الحياة ، وشر من الموت

--> ( 1 ) رنقة : كدرة . ( 2 ) هملج : سار سيرا حسنا في سرعة .